قال موقع "إس إس بلتن" التركي، المتخصص في متابعة أخبار الصناعات الدفاعية والسياسات العسكرية، إن الطموح الإقليمي لما يُعرف بـ "حلف مكة"- الذي يضم بشكل أساسي (تركيا والسعودية وباكستان)– يواجه سقفًا جيوسياسيًا يمنعه من التوسع في شمال إفريقيا بسبب الموقف المتحفظ لكل من مصر والجزائر، حيث يظل مقعد البلدين شاغرًا في التحالف لأسباب تتباين بين "شبكة العلاقات المعقدة" للأول، و"التمسك بمبادئ عدم الانحياز" للثاني.
وتمثلت أبرز محاور التحليل حول أسباب غياب الدولتين عن التحالف الدفاعي في الآتي:
أولاً: مصر.. قيود الشبكات الإقليمية تمنع المقعد الرسمي
على الرغم من تصريحات وزير الخارجية التركي، هاقان فيدان، في أغسطس الماضي التي توقع فيها انضمام مصر للتحالف قريبًا عقب حل بعض "المسائل التقنية"، إلا أن مصر لم توقع على الاتفاقية.
ويرى المحللون أن بوصلة مصر الأمنية والاقتصادية مرتبطة بشبكة تحالفات تمنعها منطقيًا من الدخول في مظلة دفاع جماعي متبادل، وتتلخص في خمس حلقات:
حلقة إسرائيل والتوازن الاستراتيجي
ترتكز السياسة المصرية منذ نصف قرن على اتفاقية "كامب ديفيد 1979" والمعونات الأمريكية. ومؤخرًا ارتبطت القاهرة بتل أبيب عبر صفقة غاز "لوفياثان" الممتدة حتى 2040 بقيمة 35 مليار دولار. من منظور إسرائيل، يُعد حلف مكة (الذي يضم تركيا والسعودية ومصر حاليًا لو انضمت) بمثابة "تطويق جغرافي"، وهو موقف تصادمي لا ترغب القاهرة في الانزلاق إليه.
حلقة الإمارات والتبعية الاقتصادية
يعتمد شريان الاقتصاد المصري بشكل حيوي على رؤوس الأموال الخليجية، وتحديداً أبوظبي التي ضخت 35 مليار دولار في مشروع "رأس الحكمة". ونظراً لأن الإمارات تتبنى رؤية أمنية مختلفة ترتكز على الشراكات الغربية والاتفاقيات الإبراهيمية وتتحفظ على حلف مكة، فإن مصر تتجنب إغضاب ممولها الرئيس.
حلقة اليونان وقبرص (شرق المتوسط)
ترتبط مصر باتفاقية ترسيم حدود بحرية مع اليونان (صيغت خصيصًا للرد على الاتفاق التركي الليبي)، وتدير معهما "منتدى غاز شرق المتوسط" الذي يستثني تركيا. وفي سبتمبر 2026، وقعت الدول الثلاث اتفاقًا عسكريًا لحماية البنية التحتية للطاقة. هذا التداخل يجعل من الصعب منطقيًا على مصر التوقيع على بند "الدفاع المشترك" مع تركيا بينما هي متحالفة عسكريًا مع خصومها في المتوسط.
حلقة الهند
رفعت مصر علاقاتها مع الهند إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية عام 2023. والدخول في حلف عسكري تقوده باكستان (العدو التاريخي للهند) سيكلف مصر خسارة هذه العلاقة الاقتصادية والتكنولوجية الثقيلة.
حلقة إثيوبيا
لا تزال مصر تتذكر مبيعات المسيرات التركية لإثيوبيا خلال أزمة سد النهضة الوجودية، مما يجعل بناء "ثقة دفاعية متبادلة كاملة" يحتاج إلى وقت أطول.
يوضح التقرير أن مصر ترفض الالتزام الجماعي (الذي قد يجبرها على القتال لأجل الآخرين)، لكنها في المقابل تطور بقوة علاقاتها العسكرية "الثنائية" مع تركيا؛ حيث وقعت اتفاقية إطار عسكري في فبراير 2024، ونوايا تعاون في يوليو 2026، وتتفاوض لإنتاج مسيرات "بيرقدار" محلياً والمشاركة في مقاتلة الجيل الخامس التركية "كآن".
الجزائر.. عقيدة "عدم الانحياز" ترفض الارتباط
على الورق، تبدو الجزائر مرشحة مثالية للحلف؛ فهي معادية تمامًا لإسرائيل، وعلاقتها متوترة مع الإمارات بسبب التدخل في شؤونها، وتربطها بتركيا استثمارات ضخمة في الطاقة والصلب. ومع ذلك، فإن غيابها يعود إلى أسباب عقائدية مبدئية:
عقيدة عدم الانحياز: تتبنى الجزائر عقيدة صارمة ترفض تمامًا الدخول في أي التزامات أو أحلاف عسكرية خارج حدودها، وهي عقيدة تشكل جزءًا من هويتها الوطنية.
التوازنات التسليحية والسياسية: المصدر الرئيس لسلاح الجزائر هو روسيا، كما تجمعها علاقات دافئة مع إيران. بالإضافة إلى وجود "سلوكات صامتة" مع تركيا بسبب مبيعات المسيرات التركية لدولة مالي في منطقة الساحل الإفريقي المحاذية لأمنها الجنوبي.
يصيغ التقرير نتيجة بعبارة بليغة: "مصر تمنعها روابطها، والجزائر تمنعها مبادئها". الأولى مرتبطة بأطراف أخرى تمنعها من المخاطرة، والثانية ترفض الارتباط بأي طرف أصلاً. وبالتالي، فإن السقف العربي لحلف مكة سيظل محصوراً في دول مثل قطر أو الكويت، ولن يمتد إلى القوى العسكرية الكبرى في شمال إفريقيا طالما ظلت ملفات شرق المتوسط والشرق الأوسط مفتوحة ودون حلول شاملة.
https://ssbulten.com.tr/editoryal/detay/mekke-bos-sandalye-misir-cezayir--23821

